lundi 9 novembre 2020

المبحث الثاني: الحق في الحرمة الجسدية :

هو حق أساسي أقرته الشرائع والقوانين منذ قديم الزمان ونادت به المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الانسان وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الانسان المؤرخ في 10 ديسمبر 1948. وهذا ما ألهم دستور 2014 الذي أكد بوضوح في الفصل 22 منه أن "الحق في الحياة مقدس لا يجوز المساس به الا في حالات قصوى يضبطها القانون" مضيفا في الفصل 23 أن "الدولة تحمي حرمة الجسد وتمنع التعذيب المعنوي والمادي".

وتظهر هذه النصوص أن القانون يضمن الحرمة الجسدية للإنسان التي تعني فيما تعنيه أنه لا يجوز تهديد الأشخاص في حياتهم أو في أبدانهم كما يمنع الاعتداء المادي أو المعنوي عليهم.

ويلاحظ أن الحرمة الجسدية تحتل قيمة كبرى في أعين المشرع. وتبرز هذه القيمة خاصة من خلال العلوية الدستورية الممنوحة لهذا الحق علاوة على مختلف النصوص الأخرى التي تتضافر لتضمن له الحماية اللازمة. وهذه الحماية لا تقتصر على الأفعال الصادرة من الغير (الفقرة الأولى) بل تمتدّ كذلك ما يمكن ان يصدر عن الشخص نفسه من أفعال قد تتسبب في إلحاق الأذى به (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: حماية الشخص من فعل غيره

يستدعي الوقوف على هذه الحماية تناول مختلف مظاهرها (أ)قبل التطرق إلى حدودها(ب).

أ - مظاهر الحماية

 تظهر الحماية القانونية لجسد الإنسان من عدة نواح يمكن حصرها في اثنين: مدنيا (أولا)وجزائيا (ثانيا) .

أولا : من الناحية المدنية

تقتضي الحرمة الجسدية للفرد منع أي فعل أو عمل يمكن أن يشكّل اعتداء على الشخص أو انتهاكا لسلامة كيانه الجسدي مهما كان مبرره أو سببه. ويتجلى ذلك خاصة من خلال الأمثلة الآتية :

1/ بطلان الاتفاقات التي يكون محلها جسد الإنسان والتي تكون مضرة به أو ماسّة بسلامته الجسدية. ومثال ذلك الفصل 833 م ا ع الذي جاء به أن "الاجارة على مدة حياة الأجير أو على مدة طويلة جدا بحيث يموت الأجير فيها ، باطلة". ومعنى ذلك ان الشخص الذي يؤجر شخصا آخر على العمل مدة حياته يكون تصرفه باطلا بطلانا مطلقا لان مثل هذا العقد يجعل الأجير في تبعية تامة لمؤجره تذكّر بوضعية الاسترقاق الذي تم إلغاؤه في بلادنا منذ 23 جانفي 1846. كما يمنع القانون التعامل بالبيع والشراء في الأعضاء البشرية. ويعتبر أي اتفاق أو عقد من هذا القبيل باطلا أيضا.

 2/ عدم جواز جبر شخص على المثول امام القضاء او اخضاعه لتحليل طبي او اخذ عينات من دمه دون موافقته. فاذا رفض الحضور امام المحكمة او الامتثال لقراراتها جاز للقاضي استخلاص النتائج الضرورية من موقف المتقاضي وإصدار حكمه بناء على ما توفر لديه من معطيات في ملف القضية وما توصل إليه من استنتاجات. وغالبا ما يكون الحكم الصادر في القضية، في غير صالح الشخص الذي رفض التجاوب إيجابيا مع قرارات المحكمة.

3/ منع التنفيذ على الذات في المادة المدنية وإقرار مبدإ التنفيذ على المكاسب عملا بالفصل 192 م ح ع. وفعلا، فإذا صدر حكم قضائي بأداء مبلغ مالي ضد المدين، يمنع القانون جبره بالسجن وإنما تقع عقلة مكاسبه وممتلكاته وبيعها جبريا عن طريق هياكل التنفيذ (عدل منفّذ، محكمة..) ثم يتم خلاص الدين من ثمنها.

4/ تحمّل كل شخص يتسبب في مضرة غيره، المسؤولية المدنية عن الاعتداء الصادر عنه سواء أكان قصديا (الفصل 82م ا ع) او غير قصدي (الفصل 83 م اع). وتفضي المسؤولية المدنية الى إلزام المتسبب في الضرر بتعويض المتضرر عن الضرر المادي او المعنوي الذي ألحقه به.

ويمكن أن تقترن المسؤولية المدنية بمسؤولية جزائية.

ثانيا : من الناحية الجزائية

تبدو قواعد المسؤولية المدنية أحيانا غير كافية لضمان الحرمة الجسدية للإنسان. لذلك سعى المشرع الى تدعيمها جزائيا من خلال تجريم الاعتداء على الأشخاص. ومن أمثلة ذلك تجريم القتل العمد (الفصل 201 م ج) والضرب او الجرح الواقعان عمدا والمؤديان الى الموت (208 م ج) او قطع عضو من البدن او احداث تشويه في الوجه او التسبب في سقوط او عجز (الفصل 219 م ج). كما يجرّم المشرع الاغتصاب (الفصل 227 م ج) والاختطاف سواء باستعمال الحيلة او العنف او التهديد او غير ذلك من الأفعال التي تعتبر انتهاكا لسلامة وحرمة الانسان الجسدية (الفصل 237 م ج).....

ونظرا لخطورة هذه الأفعال، فقد أقرت المجلة الجزائية عقوبات تسلّط على المتسبب فيها تتراوح بين الإعدام في صورة القتل العمد او الاغتصاب وبين السجن لمدة قانونية تطول او تقصر بحسب قصد الجاني ونسبة الاضرار التي ألحقها بالضحية.

لكن إلى أي مدى يمكن اعتبار الحرمة الجسدية حقا مطلقا؟

       ب - حدود الحماية

صحيح أن القانون دائما ما يتدخل لمنع الاعتداء المادي على الأشخاص وانتهاك حرمتهم الجسدية. لكن المشرع قد يضطرّ أحيانا إلى اتخاذ موقف معاكس في صور استثنائية بناء على اعتبارات مختلفة. وهذه الاعتبارات منها ما له علاقة بحماية المصلحة العامة (أولا) ومنها ما يتصل  بالمصلحة الخاصة (ثانيا).

              أولا- فيما يتعلق بالمصلحة العامة :

تدعو الضرورة والمصلحة العامة في بعض الأحيان إلى تقييد الحق في الحرمة الجسدية من باب ارتكاب أخف الاضرار. وفعلا، ففي الموازنة بين حق الشخص في سلامته الجسدية ومصلحة المجتمع في حفظ النظام العام يختار المشرع غالبا الحل الثاني. وتتفاوت الوسائل التي يعتمدها المشرع لحماية المجتمع من حيث وطأتها بحسب خطورة الوضعيات التي يواجهها. ويمكن تصنيف هذه الوسائل عموما إلى نوعين: وقائية (1) زجرية (2).

 

 

1/ الوسائل الوقائية:

 المقصود بالوسائل الوقائية هي الصور التي يضطر فيها المشرع الى اتخاذ إجراءات ضد الأشخاص تخالف نظريا حقهم في الحرمة الجسدية ولكنها تفرض نفسها فرضا حماية لهم ولمصلحة المجتمع.

 وبعض هذه الإجراءات يبدو معقولا ومقبولا، بينما يبدو بعضها الآخر قابلا للنقاش.

فبالنسبة إلى النوع الأول، يشار مثلا إلى العزل الاتقائي للمريض المصاب بمرض مُعْدٍ كمرض السيدا مثلا عملا بالفصل 11 من القانون المؤرخ في 27 جويلية 1992 المتعلق بالأمراض السارية. فتطبيقا لهذا القانون، يمكن إصدار قرار  بالعزل وتنفيذه ولو بالقوة ضد الأشخاص المصابين بمرض من الامراض المعدية وذلك في حالتين أساسيتين :

              1/ إذا رفضوا مباشرة او متابعة العلاج المحدد لهم رغم الزامهم بذلك.

              2/ إذا سعوا عمدا من خلال سلوكهم الى نقل المرض المصابين به الى أشخاص آخرين.

وتقترب من صورة العزل الاتقائي بموجب القانون المذكور، ما تضمنه مؤخرا مرسوم 17 أفريل 2020 الذي ورد في فصله الثالث انه "يمكن اتخاذ عدة تدابير من قبل السلط العمومية قصد إلزام الأشخاص بالعزل الاتقائي بمنازلهم سواء أصيبوا ام لا يصابوا بمرض "كوفيد 19".

وتدخل في نطاق الوسائل الوقائية الواجب اتخاذها رغما عن إرادة الأشخاص، إيواء من كان مصابا باضطرابات عقلية في المستشفى ولو مع استعمال القوة ان اقتضى الأمر وذلك عملا بالفصل 11 وما يليه من القانون المؤرخ في 03 أوت سنة 1992 المتعلق بالصحة العقلية. وفعلا فقد جاء صراحة في هذا القانون انه "إذا تبين وثبت أن الحالة الصحية للمريض تمثل تهديدا لسلامته او لسلامة غيره فيمكن ايواؤه وجوبيا بالمستشفى دون رضاه".

وأما بالنسبة إلى النوع الثاني (الحلول القابلة للنقاش )، فيشار خاصة الى قانون 24 جانفي 1969 المتعلق بالاجتماعات العامة والمواكب والاستعراضات والمظاهرات والتجمهر  الذي ينظم كيفية تدخل القوة العامة للتصدي للمظاهرات ولأعمال الشغب التي يمكن أن تحدث في البلاد. فقد اقتضى الفصل 21 من هذا القانون انه "إذا وجد أعوان الأمن أنفسهم أمام متجمهرين يأبون التفريق رغم الإنذارات الموجهة لهم والمنصوص عليها بالفصول المتقدمة من هذا القانون فإنهم يستعملون بالتدرج الطرق التالية لتشتيتهم:

1/ الرش بالماء أو المطاردة بالعصي.

2/ الرمي بالقنابل المسيلة للدموع.

3/طلق النار عموديا في الفضاء لتخويف المتجمهرين.

4/طلق النار صوب أرجلهم."

ثم تضمن الفصل الموالي انه" إذا عمد المتجمهرون إلى بلوغ مقاصدهم بالقوة رغم استعمال جميع الطرق المنصوص عليها بالفصل 21 لتشتيتهم فإن أعوان الأمن يطلقون عليهم النار مباشرة."

وواضح أن غاية المشرع من الوسائل الممنوحة لقوى الأمن، هي تجنب الفوضى ومنع تفاقم أعمال الشغب. لكن هذين النصين يطرحان عدة صعوبات تتعلق خاصة بكيفية ضمان التوازن بين متطلبات تحقيق الأمن وحماية المجتمع من الاعتداءات الممكنة الصادرة عن المتظاهرين وبين احترام الحق في التظاهر وواجب الأمنيين في عدم الإفراط أو المغالاة في استعمال القوة عند مواجهة أعمال التظاهر مع مراعاة مبدإ الحرمة الجسدية للأشخاص .

وتختلف الوسائل الوقائية عن الوسائل الزجرية.

 

2/ الوسائل الزجرية:

تشمل الوسائل الزجرية أساسا العقوبات التي يسلطها القانون الجزائي على مرتكبي الجرائم الذين تثبت إدانتهم قضائيا. وقد جاء تعدادها بالفصل 5 من المجلة الجزائية الذي ميز بين نوعين من العقوبات: أصلية وتكميلية. ويشمل النوع الأول، الإعدام أو السجن مدى الحياة أو مدة معينة والعمل لفائدة المصلحة العامة والخطية، بينما يدخل في النوع الثاني منع الإقامة والمراقبة الإدارية ومصادرة المكاسب والحجز الخاص والاقصاء والحرمان من مباشرة الحقوق...

  ورغم أن بعض هذه الجزاءات يبدو متعارضا مع قدسية الحياة المضمونة دستوريا (الإعدام) أو سالبا للحرية (السجن) إلا أن ذلك لا يعتبر تعديا على الحرمة الجسدية بما أن القانون يسمح به حماية للمجتمع من الجريمة وردعا للمجرمين.

 

ثانيا - فيما يتعلق بالمصلحة الخاصة:

يستبعد المشرع الحماية المقررة للكيان المادي للانسان في صور شتى لا علاقة لها بالمصلحة العامة نذكر منها وضعيتين، ترتبط الأولى بحالات الضرورة (1) بينما تتعلق الثانية بالعقد الطبي (2).

 

1/ حالة الضرورة

قد تدعو الضرورة أو الظروف القاهرة أحيانا أحد الأشخاص إلى ارتكاب فعل يلحق أذى بغيره. ومع ذلك فلا يعتبر هذا الفعل تعديا موجبا للمسؤولية المدنية. وهذا ما أقره المشرع صراحة في الفصل 104 م اع  الذي تضمّن أنه "لا ضمان على من اضطر إلى الدفاع الشرعي. كما لا ضمان بمضرة حصلت بأمر طارئ او قوة قاهرة اذا لم يكن هناك خطأ منسوب الى المطلوب قبل وقوع الحادثة او أثناءها". والمقصود بالقوة القاهرة حسب الفصل 283 م اع هو كل ما لا يستطيع الانسان دفعه كالحوادث الطبيعية او الغزو الخارجي او فعل السلطة....

وإذا كان الفصل 39 من المجلة الجزائية يقرر أيضا أن الدفاع الشرعي عن النفس او عن حياة احد الأقارب هو سبب للإعفاء من المسؤولية الجزائية، إلا أن ذات القانون يضيف أسبابا أخرى تمنع المؤاخذة الجزائية أهمها ما يلي:

- اذا كان الفعل صادرا عن طفل غير مميز او شخص فاقد العقل (فصل 38 م ج).

- اذا كان القتل او الجرح او الضرب واقعا ليلا لدفع تسور او خلع سور او ثقب جدران أو اذا كان الفعل صادرا  لمقاومة مرتكبي سرقة او سلب (الفصل 40 م ج).

- إذا كان العمل المرتكب قد وقع طاعة لمجرم وخوفا منه (الفصل 41 م ج).

- اذا ارتكب الفعل بمقتضى نص قانوني او اذن من السلطة العامة (فصل 42 م ج).

وهكذا، يلاحظ في جميع الصور المتقدمة أن المشرع يغضّ الطرف عن الأفعال التي تبدو في ظاهرها تعديا على ذات الأفراد ولكنها في حقيقتها لها ما يبررها بالنظر إلى ملابساتها والدوافع التي أدت إليها. وهو إذ يقصيها من مجال التتبعات المدنية أو الجزائية، فهو يراعي الاعتبارات الخاصة بمرتكبي تلك الأفعال وحالة الضرورة التي دفعتهم إلى الدفاع عن أنفسهم أو عن ذويهم أو مكاسبهم وغير ذلك من الأسباب المعفية من المسؤولية.

              2/ العقد الطبي:

المقصود بالعقد الطبي هو الاتفاق الذي ينشأ بين الطبيب والمريض والذي بمقتضاه يخضع المريض الى أعمال التداوي التي يباشرها الطبيب لفائدته ومنها إجراء عملية جراحية عند الاقتضاء. ويرتب هذا الاتفاق جملة من الالتزامات محمولة على الطرفين أهمها بالنسبة إلى الطبيب واجب بذل ما في وسعه من مجهود لمعالجة المريض على أن يلتزم المريض في المقابل بدفع أجرته وأتعابه.

ويبدو من قبيل التزيد ملاحظة أن الأعمال الجراحية الذي يجريها الطبيب على مريضه لا تعتبر اعتداء أو هتكا لحرمته الجسدية بما أن مصلحة المعني بالأمر وحاجته إلى الشفاء من مرضه أو إنقاذه من الموت تعدّ مبررات كافية لمباشرة التدخل الطبي.

غير أن العقد الطبي يطرح بعض الصعوبات التطبيقية التي مردها أنّ المريض يكون عموما غير عارف بأصول الطب وبطرق العلاج من المرض كما قد يكون في وضع صحي متدهور يقتضي التدخل السريع لإنقاذه. من هنا تطرح عدّة أسئلة: فإلى أي مدى يحق للطبيب التصرف في جسد مريضه؟ وهل له الصلاحيات المطلقة لاختيار طريقة العلاج التي يراها؟ وهل يمكنه ان يفرض على مريضه خياراته الطبية وان يجري عليه عملية جراحية دون رضاه؟ وهل يجب على الطبيب الحصول مسبقا على موافقة  المريض أو أقربائه قبل القيام بأي تدخّل ؟ أو يجوز له مباشرة أعماله دون استئذان أحد؟

مثل هذه الأسئلة وغيرها تطرح يوميا في التطبيق. وقد اختلفت المواقف التشريعية بخصوصها. فمن المشرعين من أوجد أجوبة صريحة لها كالمشرع الفرنسي الذي منع الطبيب من القيام بأي عمل طبي دون موافقة المريض (Article L1111-4 du code de la santé publique). ومنهم من لازم الصمت.

أما القانون التونسي فلم يجب مباشرة عن الأسئلة المذكورة وإنما وفّر بعض عناصر الإجابة في مجلة الطبيب الصادرة بمقتضى الأمر عدد 1155 لسنة 1993 المؤرخ في 17 ماي 1993، حيث اقتضى الفصل 2 من هذه المجلة أنه:" يتمثل الواجب الأساسي للطبيب في جميع الظروف في احترام الحياة واحترام النفس البشرية" وجاء بالفصل 5 من ذات القانون أنه:" يتعين على كل طبيب باستثناء حالة القوة القاهرة ومهما كانت وظيفته أو اختصاصه الإسراع بتقديم الإسعافات المتأكدة جدا لمريض في حالة خطر محدق...". أما الفصل 10 فقد أقر صراحة ضرورة احترام مبدأين أساسين وهما: حرية اختيار المريض لطبيبه من جهة وحرية اختيار الطبيب لطرق العلاج من جهة أخرى.

وواضح من هذه النصوص أن الطبيب مطالب باحترام الحق في الحياة ومراعاة الحرمة الجسدية للإنسان. كما من واجبه عدم التأخر في معالجة المريض خصوصا في الحالات المتأكدة. وفي المقابل فهو يتمتع بالاستقلالية والحرية في اختيار طرق العلاج الضرورية.  لكن المشرع لم يفرض عليه بشكل واضح إعلام المريض بحالته الصحية ولم يلزمه بأخذ موافقته المسبقة قبل اتخاذ أي إجراء. ومع ذلك فإن الأخلاقيات الطبية تدعو الطبيب ولو في غياب نص صريح إلى إحاطة مريضه علما بمختلف الإجراءات الوقائية أو العلاجية المقترحة وفائدتها ومدى ضرورتها وعواقبها والمخاطر المنجرّة عنها وغير ذلك من المعطيات الضرورية قبل مباشرة أي عمل. ويستثنى من ذلك حالة التأكد الشديد كأن يكون الشخص فاقدا الوعي ويجب التدخل سريعا لإنقاذه من الموت، فعندئذ لا مجال لانتظار عودة المريض إلى وعيه أو قدوم أقاربه لأخذ الإذن بإجراء التدخل الجراحي بما أن الحق في الحياة يسمو على كل الاعتبارات الأخرى.

 ولا يقبل الانتقاص من هذا الحق حتى لو كان الفعل الماسّ بالحرمة الجسدية صادرا عن شخص المتضرر  نفسه.

 

 

الفقرة الثانية: حماية الشخص من فعل نفسه

إذا كان القانون يمنع الاعتداء على الحرمة الجسدية للفرد، فهل يقتصر هذا المنع على ما يصدر عن الغير من اعمال ضارة ام يمتد ذلك أيضا الى فعل الشخص نفسه؟ وبعبارة أخرى هل يجوز للشخص ان يلحق الأذى بنفسه؟ وما مدى سلطة الانسان على جسده؟

اختلف موقف الشراح هنا أيضا. فمنهم من ذهب إلى أن للإنسان حقا مطلقا على جسده قياسا على حقه في التصرف في ممتلكاته. وحسب هذا الرأي، إذا كان من حق الشخص التعامل في مكاسبه والتفريط فيها كما يريد فلا شيء يمنعه من التصرف في جسده الذي هو ملك له.

              غير ان هذا الموقف مبالغ فيه، إذ لا يجوز ان يعتبر جسم الانسان شيئا قابلا للتصرف كغيره من الأشياء. كما ان مبدأ الحرمة الجسدية لا يكون مضمونا اذا خولنا للإنسان إلحاق الضرر بنفسه وإعطائه حقا مطلقا على كيانه المادي. وهذا ما أقره القانون المدني الإيطالي مثلا في فصله الخامس حيث حرّم على الشخص التصرف في جسمه تصرفا يرتب نقصا او عاهة مستديمة له او يكون مخالفا للقانون او النظام العام او الاخلاق الحميدة.

ورغم ان القانون التونسي لا يتضمن مثل هذا النص الا ان الحلول التي يكرسها تبرز أن الشخص ليس له حق مطلق على جسده. فهناك أفعال مقبولة تدخل في باب المباحات (أ) وهناك تصرفات غير مقبولة تعتبر من المحظورات (ب).

أ‌-    المباحات :

من بين الأعمال المباحة التي يسمح بها القانون رغم ما فيها من تهديد لحياة الإنسان، الرياضات الخطرة كالملاكمة وغيرها من فنون القتال وتسلق الجبال والغوص في أعماق البحار وركوب الخيل أو الدراجات النارية وسباق السيارات وذلك بقطع النظر عن بعض العروض الفرجوية التي فيها مجازفة كبيرة بحياة الشخص كألعاب السيرك مثلا.   

ويلاحظ من جهة أخرى أنه أمام تطور العلوم الطبية، فسح المشرع المجال أمام التصرف في جسد الإنسان مراعاة لاعتبارات سامية وتحقيقا لغايات جليلة. ويشار في هذا الإطار خاصة إلى النصوص الآتية:

1/القانون عدد 22 لسنة 1991 المؤرخ في 25 مارس 1991المتعلق بأخذ الأعضاء البشريّة وزرعها.

2/الأمر عدد 1401 لسنة 1990 المؤرخ في 3 سبتمبر 1990 المتعلق بضبط كيفيات التجارب الطبية أو العلمية للأدوية المعدة للطب البشري المنقح والمتمم بالأمر عدد 3657 لسنة 2014 مؤرخ في 3 أكتوبر 2014 .

3/القانون عدد 93 لسنة 2001 المؤرخ في 7 أوت 2001 والمتعلق بالطب الإنجابي.

 

ب - المحظورات :

إذا كان من حق الإنسان أن يتحكم في جسده فلا يمكن أن يكون هذا الحق مطلقا. وهذا ما يفسر عدم جواز  إقدام الشخص على قتل نفسه. وهو ما نهى عنه الإسلام واعتبره المشرع جريمة بالنسبة الى من يساعد شخصا على الانتحار عملا بالفصل  206 م ج الذي اقتضى:" يعاقب بالسجن مدة خمسة سنوات الانسان الذي يعين قصدا غيره على قتل نفسه بنفسه".

كما يمكن إعطاء أمثلة أخر ى عن المنع مستمدة من القانون عدد 93 لسنة 2001 المؤرخ في 7 أوت 2001 المتعلق بالطب الإنجابي، حيث اقتضى الفصل  أنه 14 يمنع اللجوء إلى الغير للتبرّع بالأمشاج في إطار الطب الإنجابي، كما يمنع التبرع بالأجنة. وأضاف الفصل 15 أنه لا يمكن بأي صورة من الصور في إطار الطب الإنجابي استعمال رحم امرأة أخرى لحمل الجنين.

 

 

  

dimanche 25 octobre 2020

نظرية الحق

ب – أحكام الاسم:

خلافا للقب العائلي الذي يسند وجوبا الى الطفل المولود باعتبار نسبه الى والده، فان اسناد الاسم هو مسألة متروكة لحرية الاختيار. ويقع اختيار الاسم من افراد العائلة (الاب او الام او الاثنين معا او غيرهما...). واذا رغب الوالدان، يمكن لهما ان يطلقا على مولودهما اسما مركبا (محمد الهادي، محمد أمين،...). وهذا دارج في عاداتنا وأيّده المشرع في الفصل الأول من قانون 26 ماي 1959 بقوله : "ينبغي على كل مواطن تونسي ان يكون له زيادة على اسمه أو أسمائه، لقب عائلي". ولم يضع المشرع في هذا القانون ولا في أي نص آخر قائمة محددة في الأسماء التي يمكن اطلاقها على الأبناء. لكن المنشور الصادر في 12 ديسمبر 1965 تحت عدد85 عن كاتبي الدولة للعدل والداخلية تضمن جملة من الضوابط الواجب احترامها، اذ جاء به: "يحجر اسناد الأسماء غير العربية للمواليد. كما يحجر اسناد اللقب كاسم او ان تسند الى المواليد القاب الزعماء او أسماؤهم او القابهم في آن واحد. ويجر أيضا اختيار أسماء مستهجنة او منافية للأخلاق او محل التباس".

 ويمارس ضابط الحالة المدنية الذي يتلقى التصريح بالولادة نوعا من الرقابة على الأسماء المختارة. ويجوز له رفض ترسيم اسم ما بدفتر الحالة المدنية اذا كان مخالفا للضوابط التي جاء بها منشور 12 ديسمبر 1965. غير أن المشرع لم يبين بصراحة كيفية التظلم من قرار الرفض وما هي الوسائل القانونية او الطعون المتاحة للآباء الذين يصرون على التمسك بالاسم المختار من قبلهم. وهو ما يفتح المجال، نظريا على الأقل، للجوء الى الاحكام الإجرائية العامة المتعلقة بالتظلم ضد الإدارة امام المحكمة الإدارية.

لكن يلاحظ في التطبيق ان المعنيين بالأمر غالبا ما يعمدون الى التوجه الى المحكمة الابتدائية (دائرة الأحوال الشخصية) بعد مضي اجل العشرة الأيام المقرر للتصريح بالولادة امام ضابط الحالة المدنية، ثم يطلبون ترسيم الاسم قضائيا. وغالبا ما تستجيب المحكمة لطلبهم إذا لم تكن فيه مخالفة كبيرة لمنشور 12 ديسمبر 1965. على ان المطلع على فقه القضاء الفرنسي، يجده زاخرا بالأحكام القضائية التي نظرت في الخلافات الناتجة عن رفض ترسيم اسم من قبل مسؤول الحالة المدنية. ومثال ذلك القرار التعقيبي الصادر بتاريخ 17 جويلية 1984 الذي لم يؤيد موقف الابوين الذين ارادا ان يطلقا على مولودهما اسم المكان الذي التقيا فيه لأول مرة. ونفس الموقف اتخذته محكمة التعقيب الفرنسية من الابوين الذين اختارا لمولودهما عنوان الاغنية التي رقصا عليها. كما رفضت ذات المحكمة إطلاق اسم أحد أبطال الصور المتحركة «Titeuf» الذي وقع عليه اختيار الابوين لتعارض ذلك مع مصلحة الطفل. وفي المقابل، رأت محكمة التعقيب الفرنسية في قضية أخرى انه لا مانع من اطلاق اسم "ميقان Megane" على طفل لقبه العائلي "رينو Renaud".

وتجدر الإشارة إلى ان التصريح بالأسماء أمام ضباط الحالة المدنية كان في السنوات الأخيرة مصدرا لعديد الصعوبات والاشكاليات في بلادنا، زادتها تأججا منظمات وجمعيات المجتمع المدني المنادية باحترام حرية الآباء في اختيار أسماء أبنائهم ورفع الحواجز القانونية عليها. ويبدو ان هذه المعطيات كانت من العوامل الأساسية التي أدت الى الغاء منشور 12 ديسمبر 1965 مؤخرا. وفعلا فقد صدر عن وزير الشؤون المحلية بتاريخ 15 جويلية 2020 منشور تحت عدد 13 تقرر بمقتضاه انهاء العمل بمنشور 1965. وعللت السلطة التنفيذية موقفها بأن التحجيرات والموانع المقررة بمقتضى النص الملغى "تعتبر نوعا من التقييد على حرية اختيار الوالدين لأسماء المواليد الجدد عند ترسيمهم بدفاتر الولادات"، مضيفة ان تطور الإطار القانوني للحريات في تونس بعد صدور دستور 27 جانفي 2014 ومصادقة بلادنا على عدة مواثيق دولية لها علاقة بالحريات وحقوق الطفل، يفرض عدم المساس بحرية الإباء في اسناد اسم لأبنائهم.

غير ان صدور هذا المنشور لا يمنع من التساؤل عن مدى الحرية المتاحة في اختيار الأسماء؟ فهل يؤدي الغاء التحجيرات التي كانت موجودة بمقتضى منشور 12 ديسمبر 1965 الى إطلاق يد الآباء في اسناد اسم لأبنائهم دون قيود؟ وهل الحرية تعني إمكانية تغيير الاسم لاحقا؟ واذا كان الجواب بالنفي، فما هو أساس ذلك؟

 فيما يعلق بحرية اسناد الاسم، يجب الإقرار بانها لا يجب ان تصبح مطلقة، اذ لا يجوز حتى بعد الغاء منشور 1965 السماح للآباء باطلاق أسماء يمكن ان تكون محل التباس او سخرية. كما يجب التنبيه الى ان استعمال حق اختيار الاسم من قبل الإباء يجب ان يكون دون افراط حفاظا على مصلحة الطفل. وهو ما يستنتج من صريح الفصل 4 من مجلة حماية الطفل الذي جاء به :"يجب اعتبار مصلحة الطفل الفضلى في جميع الإجراءات التي تتخذ في شأنه سواء من قبل المحاكم او السلط الإدارية..." ويراعى في ذلك "حاجيات الطفل الأدبية والعاطفية...".

 وأما فيما يتعلق بمدى إمكانية استبدال الاسم بآخر، فالجواب هو المنع، اذ ان المبدأ هو عدم قابلية الاسم للتغيير الّلهم الا في حالات استثنائية تعرض لها المشرع في بعض القوانين المتفرقة منها خاصة قانون 28 ماي 1964 المتعلق بالسماح لبعض التونسيين بتغيير اللقب او الاسم  الذي تضمن في فصله الثاني ما يلي: "يمكن لكل تونسي ليس له اسم عربي او مغربي ان يطلب الاذن بابدال اسمه بأمر ان كانت له مصلحة شرعية تبرر ذلك" . كما خوّل الفصل 14 من القانون عدد 27 لسنة 1958 المؤرخ في 4 مارس 1958 المتعلق بالولاية العمومية والكفالة والتبني للمتبنيِ ان يطلب تغيير اسم الطفل المتبنَّى وينص على ذلك بحكم التبني.

وفيما عدى مثل هذه الوضعيات التي يقررها المشرع بنص صريح،  لا يجوز لأحد استبدال اسمه باسم آخر تفاديا للتلاعب بالهويات او الاخلال بالأمن العام.

ويبقى الآن ان نتعرض الى العناصر الأخرى للهوية.


الفقرة الثانية: العناصر الأخرى للهوية :

لا يكفي الاسم واللقب لتحديد هوية الشخص بل يجب ان تنضاف معطيات أخرى تضمن تفرّده، تتعلق خاصة بجنسيته (أ) ومقره (ب) وجنسه (ج).

أ – جنسية الشخص:

يمكن تعريف الجنسية عموما بأنها رابطة قانونية قائمة بين الفرد والدولة يصبح بموجبها مواطنا من مواطنيها له كل الحقوق التي تقرها هذه الدولة وعليه كل الواجبات التي تفرضها.

وتعتبر الجنسية حقا أساسيا من الحقوق الذاتية وتمنع الدساتير والمواثيق الدولية حرمان الشخص من جنسيته او منعه من الحصول على جنسية أخرى. كما تعدّ إحدى المكونات الأساسية لهوية الشخص لأنها تثبت انتماءه إلى الدولة التي يتبعها دون غيرها من الدول التي ليست له جنسيتها.

ويخضع تنظيم الجنسية في بلادنا الى مجلة الجنسية الصادرة بموجب المرسوم عدد 6 لسنة 1963 المؤرخ في 28 فيفري 1963 المتعلق بإعادة تنظيم مجلة الجنسية. ويتضح بقراءة هذه المجلة ان الجنسية التونسية يمكن ان تسند اما بصورة أصلية او بفضل القانون.

- أما بصورة أصلية، فتسند الجنسية للطفل المولود لأب تونسي او المولود بتونس من أمّ تونسية واب أجنبي او مجهول او لا جنسية له او كذلك أب  مجهول الجنسية بشرط ان لا يكون الطفل قد بلغ سن الرشد في تاريخ اجراء العمل بالمجلة. كما تسند الجنسية بصفة اصلية لمن ولد بتونس من اب وجد للأب مولودين بها بشرط ان يكون راشد عند دخول المجلة حيز النفاذ.

- وأما بفضل القانون، فيمكن الحصول على الجنسية من الطفل المولود بالخارج من أمّ تونسية وأب أجنبي إذا كان دون سن الرشد. وكذلك من المرأة الأجنبية المتزوجة بتونسي بشرط ان تكون مقيمة مع زوجها بتونس منذ ما لا يقل عن عامين. كما يمكن ان يتحصل على الجنسية التونسية الأجنبي المقيم بتونس منذ أكثر من خمس سنوات.

ب - مقر الشخص:

لكل شخص عادة مقرّ يقطن فيه ويتواجد به. ويخضع تحديد المقر لمشيئة الأفراد عملا بصريح الفصل 24 من الدستور في فقرته الثانية حيث ورد:" لكلّ مواطن الحرية في اختيار مقرّ إقامته". ويساعد تحديد مكان وجود الشخص في معرفته وتمييزه عن غيره من الأشخاص المتواجدين في مقرات أخرى مغايرة.

ويحتل المقر قيمة بالغة في القانون من عدة أوجه: فهو من جهة يسمح بتحديد المكان الذي يمارس فيه شخص حقوقه، كحق الانتخاب مثلا الذي يمارسه الناخب في الجهة التي يقطن فيها . او الحق في الدراسة الذي يمارسه التلميذ في أقرب مدرسة او معهد لمحل اقامته. وهو من جهة أخرى يحدد الواجبات المفروضة على الأشخاص. كواجب دفع الاداءات البلدية الذي ينبغي القيام به لدى الجماعة المحلية (البلدية)التي يوجد بدائرتها مقر المطالب بالاداء. ويحدد كذلك صحة بعض التصرفات القانونية كتكوين الشركة حيث اقتضى الفصل 9 ضرورة التنصيص على مقر الشركة في عقدها التأسيسي. أو أيضا ميدان تطبيق القانون ومثال ذلك الفصل 10 من مجلة الشركات التجارية الذي اقتضى ان وجود المقر الاجتماعي في تونس يجعل الشركة خاضعة وجوبا للقانون الوطني.

 وتتأكد أهمية المقر أكثر في ميدان الإجراءات المدنية والتجارية، اذ على أساسه يمكن معرفة المحكمة التي يجب ان ترفع الدعوى امامها. وهي المحكمة التي يوجد بدائرتها مقر المطلوب عملا بالفصل 30 م م م ت. كما انه ضمانا لاحترام حق الدفاع، تفرض مجلة المرافعات المدنية والتجارية استدعاء المطلوب امام المحكمة لتقديم جوابه عن الدعوى وابداء ما له من اقوال ودفوعات لردها. ويجب توجيه الاستدعاء للمطلوب في مقره الأصلي او مقره المختار.

- اما المقر الأصلي للشخص فهو المكان الذي يقيم فيه عادة أي محل سكناه. ويمكن ان يعتبر المكان الذي يباشر فيه الشخص مهنته او تجارته مقرا أصليا له بالنسبة للمعاملات المتعلقة بالنشاط المذكور (الفصل 7 (فقرة أولى) م م م ت).

- وأما المقر المختار فهو المكان الذي يعينه الاتفاق او القانون لتنفيذ التزام او للقيام بعمل قضائي. ومثال المقر الاتفاقي او الارادي، المقر الذي يتم التنصيص عليه في العقد المبرم بين طرفيه لتقع فيه مخابرتهما أي لكي يخاطب فيه كل طرف الطرف الاخر او يبلغه أية وثيقة في العنوان الذي اختاره. أما في خصوص المقر المعين بموجب القانون فتمكن الإشارة مثلا الى الفصل 68 م م م ت الذي اقتضى ان : "انابة المحامي وجوبية لدى المحكمة الابتدائية الا في مادة الأحوال الشخصية . ومقر المحامي يعتبر مقرا مختارا لمنوبه في درجة التقاضي الذي هو نائب فيها".

ويلاحظ ان تبليغ المحاضر والاعلامات والاستدعاءات وغيرها من الوثائق الى المطلوب يبدو سهلا اذا كان معروف المقر. اما اذا كان مجهول المقر، وجب ان يكون التبليغ في أماكن أخرى نص عليها الفصل 10 م م م ت مفرّقا بين من كان له مقر معروف وبارحه (فرضية مجهول المقر) وبين من لا يعرف له أي مقر لا في السابق ولا في الحاضر (فرضية مجهول المقر مطلقا). ففي الحالة الأولى يجب ان تودع نسخة المحضر المراد تبليغه للمعين بالامر في ظرف مختوم لدى كتابة محكمة الناحية او عمدة المكان او مركز الامن الوطني او مركز الحرس الوطني لآخر مقر معروف له. في حين انه في الحالة الثانية يجب ان تعلّق نسخة من الاعلام بالمحكمة المتعهدة بالقضية ونسخة أخرى بمقر الولاية التي توجد بدائرتها المحكمة المذكورة.

ج -  جنس الشخص :

لا يوجد تعريف تشريعي لهذا العنصر من عناصر الهوية. ولكن العديد من الوثائق الرسمية كبطاقة التعريف الوطنية او جواز السفر تتضمن وجوبا الإشارة اليه الى جانب البيانات الأخرى التي تميز الشخص. ولعلّ من أهم الوثائق الرسمية التي يجب التنصيص فيها على الهوية الجنسية، رسوم الولادات التي يحررها ضابط الحالة المدنية تطبيقا للفصل 26 (فقرة اولى) من القانون عدد 3 لسنة 1957 المؤرخ في غرة اوت 1957 الذي اقتضى أنه:" ينصّ برسم الولادة على اليوم والساعة ومكان الولادة وجنس المولود...". ويقع هذا التنصيص إثر تلقي التصريح بالولادة الصادر عن الولي او غيره استنادا الى الشهادة الطبية المسلمة له. ويبيّن ضابط الحالة المدنية في الرسم ان كان المولود ذكرا او انثى.

والمفروض ان الانتماء الجنسي هو عنصر ثابت وقار لدى الشخص غير قابل للتغيير او التحوير. ومع ذلك يمكن ان تحصل في التطبيق وضعيات تفرض تدخل القضاء للنظر في مدى إمكانية ادخال تحويرات على عناصر الحالة المدنية للشخص بناء على وجود تغيير في جنسه. وقد أثار هذا التدخل سلسلتين من الصعوبات:

              1/ تتعلق الأولى بصورة الغلط المادي في رسم الحالة المدنية، اذ يمكن لضابط الحالة المدنية ان يرتكب بمناسبة تلقي التصريح بالولادة غلطا ماديا، فينص على ان المولود هو ذكر والحال انه أنثى أو انه انثى في حين انه ذكر. وهذا الغلط دارج في التطبيق. ولذلك أفرده المشرع بأحكام خاصة في القانون المنظم للحالة المدنية تبين كيفية إصلاحه. ويتحقق ذلك بموجب طلب يقدم الى رئيس المحكمة الابتدائية بالمنطقة التي حرر فيها الرسم (الفصلان 63 و64). وتصدر المحكمة قرارا بالإصلاح تأذن فيه بتغيير رسم الحالة المدنية. ومثال ذلك الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية ببن عروس تحت عدد 621 بتاريخ 28 مارس 1990 الذي قضى بتغيير اسم المعني بالامر من "أميرة" الى "أمير". وعللت المحكمة قرارها بان الاسم المسجل في الترسيم لا ينطبق على الجنسين وبأن مبدأ عدم قابلية الاسم للتغيير لا ينطبق الا في صورة طلب تغيير اسم بآخر من نفس الجنس دون وجود تغيير في الجنس. وليست هذه هي صورة الحال في الملف المعروض على نظرها.

              / اما النوع الثاني من الصعوبات، فيبرز في الصور التي يتعرض فيها بعض الأشخاص إلى تحولات فيزيولوجية تحدث تغيرات في مكوناتهم الجسدية وانتمائهم الجنسي اما بشكل طبيعي او إثر تدخل طبي. ويثير هذا التغيير المادي في صورة تحققه سؤالا قانونيا هاما يتعلق بمعرفة إن كان من الجائز للشخص المتغير جنسيا طلب تحوير عناصر حالته المدنية وتحديدا اسمه وجنسه؟

لقد طرح هذا الاشكال على القضاء في مناسبات عديدة. من ذلك القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بتونس بتاريخ 22 ديسمبر 1993 تحت عدد 10298 الذي تمثلت وقائعه في قيام شخص يدعى "سامي" بقضية امام المحكمة الابتدائية بتونس مدعيا انه مع مرور الايام تغيرت بعض أعضائه بشكل طبيعي وصارت له خاصيات انثوية، مما اضطره الى اجراء عملية جراحية تحول بمقتضاها الى انثى مدليا بشهادة طبية واختبار طبي في الغرض. واستنادا على ذلك طلب من المحكمة الحكم لفائدته باعتباره انثى لا ذكرا والاذن له بحمل اسم "سامية" ولضابط الحالة المدنية بالتنصيص على ذلك بدفاتره. إلاّ أن المحكمة الابتدائية رفضت هذا الطلب وتأيّد موقفها في الاستئناف. وعللت محكمة الاستئناف رأيها بان تغيير الجنس اراديا واصطناعيا يتعارض مع مبادئ الفقه الاسلامي واحكامه ولا يعتبر من حالات الضرورة التي تبرر ذلك. ومن المتجه في مثل هذا الحالات اللجوء الى العلاجي النفساني لاسترجاع الشخص توازنه النفسي لا الاسراع في اجراء تغيير اصطناعي في جنسه. كما اضافت المحكمة ان القضاء لا يمنح الحقوق الا بقدر ما تكون متطابقة مع القانون والنظام العام. وهو ما لا يتوفر في صورة الحال. ولذلك قضت بتأييد المحكمة الابتدائية في حكمها القاضي برفض مطلب تغيير الحالة المدنية للمدعي.

غير ان هذا الموقف ليس محل اجماع لدى فقه القضاء. فقد سبق طرح الموضوع على المحكمة الابتدائية ببن عروس وقالت رأيها فيه بموجب الحكم الصادر عنها تحت عدد 621 بتاريخ 28 مارس 1990 حيث قبلت مطلب تغيير الحالة المدنية من انثى الى ذكر مرتكزة على تقرير الاختبار الطبي الذي اثبت ان المشكل المطروح يتعلق بشخص لم تكن خصائصه الجنسية متضحة المعالم عند ولادته، فتم تصنيفه كأنثى والحال انه يتصف بجميع مقومات الذكورة، كما عاينت المحكمة ان مطلب تغيير الجنس في وثائق الحالة المدنية ليس ناتجا عن نزوة شخصية او تدخل طبي وانما هو قائم على وجود تغيرات طبيعية في الملامح الفيزيولوجية للطالب و لذلك استجابت لطلبه.

ويبدو ان نفس هذا الموقف نسجت عليه المحكمة الابتدائية بقفصة في حكمها المؤرخ في 12 فيفري 2007 تحت عدد 54406 مميزة بين وضعية اختلاط الجنس  ( l’intersexualité) حيث يكون الشخص منذ ولادته غير محدد الملامح الجنسية نظرا لعيب خِلقيّ فيه ويكون من حقه اصلاح هويته الجنسية بعد توضح معالمها، ووضعية تحول الجنس ( le transsexualisme ) وهي صورة الشخص الذي تكون هويته الجنسية غير ملتبسة عند ولادته لكنه بمرور الزمن يحس بانجذابه للجنس الآخر وميله له فيكون من ناحية تركيبته الجنسية ذكرا لكنه يشعر انه ينتمي الى الاناث أو العكس. ورأت المحكمة ان تغيير الحالة المدنية يكون جائزا في الصورة الاولى وغير مقبول في الثانية.

ومع ذلك فقد كان للمحكمة الابتدائية رأيا آخر مؤخّرا، اذ طرح عليها مجددا السؤال المتعلق بمعرفة إن كان باستطاعة الشخص الذي يعمد اراديا الى تغيير هويته الجنسية بفضل التدخل الجراحي، ان يطلب تحوير عناصر حالته المدنية؟ وكان جواب المحكمة هذه المرة بالقبول . وفعلا فقد قضت هذه المحكمة بتاريخ 9 جويلية 2018 بتغيير جنس المدعية واعتبار ها من جنس الذكور عوضا عن جنس الاناث وتغيير اسمها من "لينا" الى "ريان" والاذن لضابط الحالة المدنية بالتنصيص على ذلك برسم الولادة. وأسست المحكمة موقفها على فكرة "الضرورة" المستمدة من القاعدة الاصولية القائلة بأن "الضرورات تبيح المحضورات"، إذ لاحظت ان المريضة القائمة بالدعوى قد بذلت منذ ان كان عمرها اثني عشر سنة كل ما في وسعها للتكيف مع حالتها الجنسية الا انها اصيبت بانهيار حينما ظهرت عليها علامات البلوغ وعجزت عن العلاج النفسي وانتهى بها المطاف الى محاولة الانتحار. وتقتضي الضرورة في رأي المحكمة المحافظة على حياة المدعية وتفادي الضرر الناتج عن محاولتها الانتحار  مستنتجة أن اقدامها على اجراء تدخل جراحي لإزالة زوائد الانوثة الظاهرة على جسدها هو امر مشروع ومبرر ولا مانع على هذا الاساس من قبول طلبها تغيير حالتها المدنية.

 

lundi 19 octobre 2020

نظرية الحق

القسم الثاني : الحقوق غير المالية:

الحقوق غير المالية وتسمى أيضا حقوق الشخصية (Droits de la personnalité) أو الحقوق الذاتية (Droits subjectifs)، هي الحقوق التي تمنح الى الانسان بوصفه انسانا وتهدف الى حماية شخصه ووجوده. ولذلك يطلق عليها الفلاسفة اسم الحقوق الطبيعية (Les droits naturels) او الحقوق الثابتة للإنسان (Les droits innées). ويلاحظ في هذه الحقوق انه بقدر ما تتقدم الحضارة الإنسانية بقدر ما يزداد تطورها وتدعيمها وحمايتها سواء عن طريق القوانين الوطنية أو بموجب المعاهدات والمواثيق الدولية.

وتتميز هذه الحقوق بعدة خصائص تفرّقها عن الصنف الآخر من الحقوق، أي الحقوق المالية. ومن أبرز هذه الخصائص، ما يلي:

أولا - انها حقوق لا تقوّم بالمال. أي انها لا تعتبر أموالا ولا تقدّر ما تقدّر به الأشياء والمكاسب، أي النقود. لكن إذا كانت الحقوق غير المالية غير قابلة للتقدير، فلا يعني ذلك ان المساس بها او الاضرار بأصحابها لا يستوجب التعويض النقدي. فقد أقر القانون في عدة نصوص لمن وقع الاعتداء عليه عمدا او خطأ ان يطلب تعويضه عن الضرر الذي أصابه ماديا أوأدبيا. وهذا ما تقرر صراحة في الفصلين 82 و83 م ا ع الذين تضمنا ان من تسبب في ضرر غيره بلا وجه قانوني عن قصد (الفصل82) او عن غير قصد (الفصل 83) وسواء أكان الضرر حسيا او معنويا فهو مسؤول عن فعله وعليه جبر الضرر الذي احدثه.

ثانيا - هي حقوق غير قابلة للاتفاق على منع ممارستها أو للتقييد او الحد منها . وهذا ما أقره صراحة الفصل 118 م ا ع بقوله: "كل شرط من شأنه ان يمنع او يقيد على انسان تعاطى ماله من الحقوق البشرية كحق التزوّج او مباشرة حقوقه المدنية فانه باطل وبه يبطل العقد".

ثالثا - انها حقوق غير قابلة للتداول او التعامل بين الأحياء ولا للانتقال الى الورثة او الموصى لهم بموجب الوفاة. فالحق في الحياة لا يقبل البيع والشراء وكذا الحق في الكرامة الإنسانية او حق الانتخاب او حق ممارسة العمل السياسي او غيرها من الحقوق...

رابعا - هي حقوق لا تقبل العقلة والتنفيذ عليها عن طريق وسائل التنفيذ الجبري. وهذا ما أقره صراحة الفصل 306 فقرة 2 م ا ع الذي أقرّ صراحة منع ممارسة الدعوى غير المباشرة عندما يتعلق الامر بالحقوق الخاصة بذات المدين كحقوق الاب على ولده وحق السكنى والنفقة وكذلك الفصل 308 م ا ع الذي حجّر التنفيذ على الأشياء الشخصية للمدين كفراشه وملابسه ورسائله وأشيائه المقدسة.

خامسا – انها حقوق دائمة ولا تقبل السقوط او التقادم بمرور الزمن. فالحق في الاسم لا يسقط بعدم الاستعمال مهما طالت المدة. والحق في الجنسية لا يزول ولو اكتسب شخص جنسية أخرى. وكذا الحق في الكرامة وفي الحرمة الجسدية الذي تبقى حمايته قائمة مهما طال الزمن. وهو ما أكده الفصل 23 من الدستور بقوله: "تحمي الدولة كرامة الذات البشرية وحرمة الجسد وتمنع التعذيب المعنوي والمادي. ولا تسقط جريمة التعذيب بالتقادم".

ولمّا كانت الحقوق غير المالية متعددة ومتنوعة وأبعد عن أيّ عدّ أو حصر، فإنه لا يسعنا إلاّ التعرض لأبرزها وخاصة منها ما يلي:

-        الحقوق المتعلقة بهوية الشخص (المبحث  الاول).

-        الحقوق المتعلقة بالكيان الجسدي للشخص (المبحث الثاني).

-        الحقوق المتعلقة بالكيان المعنوي للإنسان (المبحث الثالث).

المبحث الأول : الحقوق المتعلقة بهوية الشخص.

لكل شخص الحق في ان يتفرّد بذاته وتكون له هويته الخاصة التي تسمح بتمييزه عن غيره من الأشخاص. ويثبت هذا الحق للإنسان منذ ولادته مثلما أكّده الفصل 5 من مجلة حماية الطفل بقوله :"لكل طفل الحق في الهوية منذ ولادته". وتشمل الهوية أساسا الاسم واللقب العائلي (الفقرة الأولى) بالإضافة الى عناصر أخرى يضبطها القانون (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : الاسم واللقب.

يعتبر حق الانسان في ان يكون له اسم ولقب من الحقوق الذاتية الأساسية التي تمكّن من تعيينه ومعرفته وتمييزه عن غيره من الافراد. وتتأكد أهمية هذا الحق بالنظر الى تعدد النصوص والقوانين التي تنظمه وهي خاصة ما يلي:

- القانون عدد 3 لسنة 1957 المؤرخ في غرّة اوت 1957 المتعلق بتنظيم الحالة المدنية والنصوص المتمّمة له.

- القانون عدد 53 لسنة 1959 المؤرخ في 26 ماي 1959 المتعلق باللقب العائلي.

- القانون عدد 20 لسنة 1964المؤرخ في 28 ماي 1964 المتعلق بالسماح لبعض التونسيين بتغيير اللقب او الاسم.

- القانون عدد 75 لسنة 1998 المؤرخ في 28 أكتوبر 1998 المتعلق بإسناد لقب عائلي للأطفال المهملين او مجهولي النسب والنصوص المتممة او المنقحة له.

- القانون عدد 31 لسنة 2001 المؤرخ في 29 مارس 2001 المتعلق بإحداث شهادة تطابق بين اللقب الأصلي واللقب المسند.

ومن هذه النصوص يتضح ان اسناد اسم ولقب الى الشخص هو أمر وجوبي لا مفرّ منه. وهذا ما أكده الفصل الأول من قانون 26 ماي 1959 المتعلق باللقب العائلي بقوله: "ينبغي على كل مواطن تونسي ان تكون له زيادة على اسمه او اسمائه لقب عائلي". كما يتبين بتصفح القوانين المذكورة اختلاف الأحكام المتعلقة بهذين العنصرين. ممّا يتجه معه تخصيص فقرة مستقلة لكلّ واحدة منها.

أ- احكام اللقب.

تتمحور هذه الاحكام حول مسألتين : اسناد اللقب من جهة (أولا) وخصائصه من جهة أخرى (ثانيا).

              أولا- اسناد اللقب.

يخضع إسناد اللقب إلى مبدإ يمكن ان تطرأ عليه بعض الاستثناءات.

              1/ المبدأ:

وهو أن الطفل الشرعي يكتسب وجوبا وبمجرد ولادته لقب أبيه تطبيقا لأحكام النسب الواردة بالفصل 68 وما بعده من مجلة الأحوال الشخصية وخاصة منها الفصل 71 الذي اقتضى أنه "إذا ولدت الزوجة لتمام ستة أشهر فأكثر سواء كان العقد صحيحا أو فاسدا يثبت نسب المولود من الزوج". وتسري نفس القاعدة على الطفل الخاضع لنظام الكفالة عملا بالفصل 6 من القانون عدد 27 لسنة 1958 المؤرخ في 4 مارس 1958 المتعلق بالولاية العمومية والكفالة والتبني والذي نصّ على أنه: " يحتفظ المكفول بجميع حقوقه الناتجة عن نسبه وبالأخص لقبه ....".

ويعتبر حمل لقب الأب بموجب النسب مبدأ مستقرّا في قانوننا منذ قديم الزمان ولم يقع العدول عنه إلى يومنا هذا، خلافا لما هو الحال في بلدان أخرى كفرنسا مثلا حيث ادخل المشرع الفرنسي مبدأ المساواة بين الوالدين في اسناد اللقب وأصبح بالإمكان أن يحمل الطفل لقب الاب أو لقب الام او الاثنين معا حسب اختيار الوالدين (قانون 4 مارس 2002).

ولقد سعى المشرع منذ صدور القانون المؤرخ في 26 ماي 1959 إلى إلزام كل مواطن تونسي بأن يقدم تصريحا بلقبه لدى الهياكل الرسمية المعنية. ويشترط في اللقب المصرح به الا يكون محل التباس أو سخرية أو منافيا للأخلاق الفاضلة أو ذو أصل غير عربي او كذلك من أسماء البلدان.   

              2/ الاستثناءات:

تشمل هذه الاستثناءات وضعيتين أساسيتين، الأولى قديمة والثانية مستحدثة:

         أما الوضعية الأولى، فقد جاء بها القانون عدد 53 لسنة 1959 المؤرخ في 26 ماي 1959 والذي صدر في فترة الاستقلال وأوجب "على كل تونسي أن يقدّم قبل غرّة ديسمبر 1959 تصريحا باللقب ... لمركز الشرطة أو الحرس الوطني الكائن بمقره" أو الى القنصلية التونسية إذا كان مقيما بالخارج.  ثم أضاف هذا القانون في فصليه السادس والسابع أنه تحدث بكل معتمدية لجنة مختصة تسمى اللجنة المحلية للقب العائلي، تتعهد بالبت في هذه التصريحات و"يمكن لها أن تسند وجوبا لقبا عائليا لكل شخص لم يمتثل لأحكام هذا القانون".

 وخلافا للمبدإ الذي يقضي بأن كل شخص يحمل وجوبا لقب والده، تولت هذه اللجنة إسناد ألقاب إلى أشخاص غير ألقابهم الأصلية. كما يبدو أن تطبيق هذا القانون لم يكن بالنجاعة المطلوبة مما نتجت عنه صعوبات بالنسبة للعديد من الأشخاص وخاصة منهم المقيمون بالخارج الذين تعسّر عليهم الحصول على حقوقهم (جرايات تقاعد، حقوق ميراث...) أو تجديد وثائقهم ( بطاقة إقامة، جواز سفر...) بسبب الاختلاف في اللقب بين الوثيقة الأصلية للحالة المدنية والوثيقة الناتجة عن أمر الاسناد المتعلق بالمصادقة على قرارات اللجنة.

ولتدارك هذه الصعوبات، صدر القانون عدد 31 لسنة 2001 المؤرخ في 29 مارس 2001 الذي أحدث شهادة تطابق بين اللقب الأصلي واللقب المسند تثبت تعلق اللقبين بنفس الشخص يسلمها قاضي الناحية بناء على طلب المعني بالأمر. وحدد القانون التنصيصات الوجوبية التي ينبغي أن تتضمنها هذه الشهادة والإجراءات المتبعة للحصول عليها.

               وأما الوضعية الثانية فتتعلق بالأطفال غير الشرعيين. وهم المولودون خارج إطار الزواج. ويطلق عليهم أيضا "الأطفال الطبيعيون". فمن المعروف أن هؤلاء يعيشون صعوبات نفسية واجتماعية جمة نتيجة عدم اكتمال هويتهم الذي يبرز من خلال الفراغات التي تترك في الوثائق المثبتة لهويتهم. ولمعالجة هذا الأمر وضمانا لحق كل شخص في الهوية صدرت في 9 نوفمبر مجلــة حمايــة الطفل، كما سنّ المشرع القانون عدد 75 لسنة 1998 المؤرخ في 28 أكتوبر 1998 المتعلق بإسناد لقب عائلي للأطفال المهملين او مجهولي النسب المتمم والمنقح بقانون 7 جويلية 2003.وقد كرس هذا القانون جملة من الأحكام والمبادئ من أهمها إمكانية إثبات أبوة الطفل بالوسائل العلمية، وخاصة عن طريق التحليل الجيني، وكذلك إلزام الأم الحاضنة لابنها القاصر ومجهول النسب بأن تختار له إسما وأن تصرح بولادته طبق ما ورد في قانون الحالة المدنية. كما يسمح القانون بإتمام عناصر هوية الطفل ولو افتراضيا في صورة عدم التوصل إلى إثبات الأبوة الحقيقية وذلك بالتوجه إلى القضاء قصد طلب اسناد لقب الى الطفل مع بقية عناصر الهوية  ( اسم أم ولقبها، واسم اب ولقبه وسم جد ولقبه.......).  وتسند المحكمة اللقب العائلي للطفل المهمل أو مجهول النسب بمقتضى إذن او حكم  حسب الحالات الآتية:

v   بطلب من الام الحاضنة التي لها أن تلتمس اسناد لقبها العائلي وبقية عناصر الهوية الافتراضية لابنها القاصر مجهول النسب او لقب الاب ان كان او اصبح معروفا (إقرار، شهادة الشهود، تحليل جيني).

v   من الولي العمومي او النيابة العمومية في صورة عدم وجود طلب من اهل الطفل المهمل او مجهول النسب .ويمكن لهذين الهيكلين السعي لطلب اسناد لقب الام ان كانت هويتها معروفة وبقية عناصر الهوية الافتراضية عند الاقتضاء.

v   من المعني بالأمر نفسه بعد أن يصبح رشيدا حيث يمكنه أن يقدم مطلبا الى رئيس المحكمة الابتدائية لإسناده كامل عناصر الهوية الحقيقية او الافتراضية.

 وربما يجوز في هذا السياق، التفكير في إضافة استثناء آخر يتعلق بالمرأة المتزوجة. فهل يعتبر الزواج موجبا لتغيير لقبها الأصلي وإسنادها لقب زوجها؟

إذا عدنا إلى القانون الفرنسي، يظهر أن هذا الأمر جائز بناء على قاعدة عرفية قديمة. مع العلم بأن اكتساب المرأة لقب زوجها هو حق ممنوح لها وليس واجبا مفروضا عليها.

ولا يخفى أنه في تونس، وقع التأثر بهذه العادة وأصبح من الجائز  للزوجة استعمال لقب زوجها في معاملاتها اليومية. ومع ذلك فالأمر يبقى اختياريا لا إجباريا.

 وتجدر الإشارة الى أن الفصل 2  من قانون 22 مارس 1993 قد أقر وجوب التنصيص في بطاقة التعريف الوطنية على لقب الزوج ضمن العناصر المحددة لهوية الزوجة. لكن هذا التنصيص يتم الى جانب اللقب الأصلي للزوجة على سبيل زيادة تدقيق الهوية لا أكثر ولا أقل.

ثانيا – خصائص اللقب.

إن أبرز خاصية تميز اللقب هي عدم قابليته للتغيير الإرادي والاختياري من قبل صاحبه. ويعبّر عن هذه الخاصية بالفرنسية بما يلي: "Le principe de l’immutabilité du nom" . وأساس ذلك هو تفادي التلاعب بالهويات لأغراض مشبوهة او غير قانونية باعتبار ان الهوية هي وسيلة إدارية لتحديد الأشخاص ومعرفتهم وتفادي الخلط بينهم. ولذلك فالأصل في القانون التونسي على غرار العديد من الأنظمة المقارنة، هو عدم السماح لأحد باستبدال لقبه بلقب آخر حسب مشيئته اللهم إلا إذا تعلق الأمر بشخص اكتسب الجنسية التونسية حيث يجوز طلب تغيير لقبه الأصلي عملا بالفصل الأول من قانون 28 ماي 1964 المتعلق بالسماح لبعض التونسيين بتغيير اللقب أو الاسم.             

ولئن كان هذا الاستثناء لا يطرح صعوبة باعتباره مقررا بصريح النص، إلا ان هناك وضعيتان قابلتان للنقاش، تتعلق الأولى بصورة اللقب الذي يكون محل التباس أو سخرية أو منافيا للأخلاق الفاضلة بينما تتصل الثانية بفرضية الرجوع في التبني.

 أما في الصورة الأولى، فيبدو طلب تغيير اللقب أمرا جائزا استنتاجا من الفصل الرابع من قانون 26 ماي 1959 وقياسا على إمكانية التماس تبديل الإسم لنفس الأسباب وفقا لمقتضيات الفصل 2 من قانون 28 ماي 1964.

 وأما في الصورة الثانية، فغني عن التذكير بأنه خلافا للطفل المكفول الذي يحافظ على هويته الاصلية ولا مجال لتغييرها ، فان الطفل المتبنى يمكن تغيير اسمه ولقبه واسناده اسما جديدا ولقب المتبني وذلك تطبيقا للفصل 14 من قانون 4 مارس 1958 المتعلق بالولاية العمومية والكفالة والتبني. والسؤال المطروح هو  الآتي: هل يجوز  للمتبنى في صورة الرجوع في التبني، أن يسترجع لقبه الاصلي؟

جوابا عن هذا السؤال ذهبت محكمة الاستئناف بالمنستير في قرارها الصادر بتاريخ 9 جانفي 1986 تحت عدد 145، إلى أنه لا مانع من رجوع المتبنى الى هويته الاصلية واسترداد اسمه ولقبه الأصليين المستمدين من ابويه الحقيقيين. واسست المحكمة هذا الموقف على عدة اعتبارات تتمحور أساسا فيما يلي:

- ضرورة سدّ الفراغ التشريعي باعتماد قاعدة التيسير.

- إمكانية الرجوع في التبني رغم غياب النص قياسا على قانون المصدر أي القانون الفرنسي.

- نظرية توازي الصيغ والشكليات.

- مراعاة مصلحة المتبنى والمتبنيين والابوين الأصليين.

ومن الخصائص الأخرى التي تميّز اللّقب:

 عدم القابلية للتقادم : بمعنى أن عدم استعمال اللقب مدّة طويلة  واعتماد لقب آخر غير اللقب الأصلي المنصوص عليه في دفاتر الحالة المدنية لا يؤدي الى اكتساب لقب جديد (تقادم مكسب) وفقدان اللقب الأصلي (تقادم مسقط).

 عدم القابلية للتعامل :  والمقصود أنه لا يمكن ان يكون اللقب موضوع بيع او شراء او أي نوع من أنواع التصرف.

لكن ذلك لا يمنع في إطار  المادة التجارية من  إمكانية استعمال لقب الشخص كاسم اجتماعي (اسم شركة) أو كعلامة تجارية (Marque). وفي مثل هذه الحالات يمكن بصورة استثنائية أن يكون اللقب محلا لمعاملات تجارية.

 قابلية اللقب للحماية القانونية: وفعلا فاذا رجعنا الى القانون المقارن نجد العديد من التشريعات تضع نصوصا صريحة تقرر من خلالها حماية مبدئية للاسم واللقب. من ذلك القانون المدني المصري والقانون المدني الإيطالي الذين تضمنا أحكاما تخول لمن تضرر من الاعتداء على اسمه أو لقبه حق الرجوع بالتعويض ضد المتسبب في الضرر.

اما في القانون التونسي فلا توجد نصوص عامة مماثلة وانما بعض التطبيقات الخاصة في بعض الصور. من بينها مثلا القانون عدد 36 لسنة 1994 المؤرخ في 24  فيفري 1994 المتعلق بالملكية الأدبية والفنية المنقح بمقتضى القانون عدد 33 لسنة 2009 المؤرخ في 23 جوان  2009 الذي نص على ضرورة حماية اسم المؤلف والقانون الأساسي عدد 63  لسنة 2004 المؤرخ في 27 جويلية 2004 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية. كما يشار الى الفصل 2 فقرة 2 من قانون 28 أكتوبر 1998 الذي أقر أنه : "يخوّل للغير الذي لحقه ضرر فادح ومباشر سواء من جراء اسناد كامل عناصر الهوية عدا الاسم او من جراء اسناد بعضها الى مجهول النسب ان يرفع الأمر الى رئيس المحكمة الابتدائية لطلب التشطيب". ويثبت هذا الحق خاصة اذا كان اللقب المسند تابعا لشخص معروف او مشهور . وهو ما أكده الفصل 4 مكرر من القانون الذي اقتضى : "يحجر استعمال أسماء وألقاب المشاهير والأعلام من الأحياء والأموات كعناصر لهويتهم".

وخارج هذه النصوص الخاصة يمكن للمتضرر في قانوننا، طلب حماية لقبه عملا بالقواعد العامة للمسؤولية المدنية التي تقضي بضرورة عدم الحاق الضرر بالغير.ر